F.H
25-03-2008, 12:48 AM
كان عالماً متداعياً قد شارف النهاية .. خلاصة مايقال فيه : إنه عالم فقد العقيدة كما فقد النظام ..
البيزنطية قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علماً عليها ، وتضاءلت سطوتها في البر والبحر حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها .
وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس .. وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث الفتن ، ونوازع الشهوات .
والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعاره من الحضارة تارة ومن الهمجية تارة ، وبين التوحيد الذي هو ضرب من عبادة الأوثان ، ثم هي بعد هذا التشويه في الدين ، ليست بذات رسالة في الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ .. فليس لها عمل باق في سجل الأعمال الباقيات .
وبين هذه الدول المتداعيات ، أمة ليست بذات دولة ولكنها تتأهب لإقامة دولة .. هي أمة العرب وقد تيقظت لوجودها وشعرت بمكانتها ، كما شعرت بالخطر عليها وبمواضع النقص فيها .
وفي تلك الأثناء بين كل تلك الفوضى والتداعيات كان العالم يتطلع إلى دين ،، وأمة تتطلع إلى نبي ، وقبيلة وبيت وأبوان أصلح مايكونون لإنجاب ذلك النبي .
ثم هاهو ذا الرجل لايشركة رجل آخر في صفاته ومقدماته ويدانيه .. رجل آخر في مناقبة الفضلى التي هيأته لتلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة .. وفي الجزيرة وفي العالم بأسره ..
نبيل عريق النسب .. وليس بالوضيع الخامل ، فيصغر قدره في أمة الأنساب والأحساب ..
فقير .. وليس بالغني المترف فيطغيه بأس النبلاء والأغنياء ، ويغلق قلبه مايغلق القلوب من جشع القوة واليسار .
ذلك محمد بن عبدالله عليه السلام .
قد ظهر والمدينة مهيأة لظهوره لأنها محتاجة إليه ، والجزيرة مهيأة لظهورة لأنها محتاجة إليه ، والدنيا بأسرها مهيأة لظهوره لأنها محتاجة إليه .
-------------
عبقرية الداعي
اتفقت أحوال العالم على انتظار رسالة .. واتفقت أحوال محمد على ترشيحه لتلك الرسالة ..
فقد كان من الممكن أن ينتظر العالم الرسول ، ثم لايظهر الرسول .
وكان من الممكن أن يظهر الرسول في البيت الصالح وفي البيئة الصالحة ، ثم لاتتهيأ له الصفات التي يتم بها أداء الرسالة .
ولكن اتفق في رسالة محمد قد أعجب أعاجيب الاتفاق ، وكان المعجزة التي تفوق المعجزات ..
فكان محمد مستكملاً للصفات التي لاغنى عنها في إنجاح كل رسالة عظيمة من رسالات التاريخ .
كانت له فصاحة اللسان واللغة .
وكانت له القدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة ..
وكانت له قوة الإيمان بدعوته وغيرته البالغة على نجاحها ..
وهذه الصفات للرسول غير أحوال الرسول .. ولكنها هي التي عليها المدار في تبليغ الرسالة ، ولو اتفقت فيما عداها جميع الأحوال ..
الفصاحة
فالفصاحة صفة تجتمع للكلام ، ولهيئة النطق بالكلام ، ولموضوع الكلام .. فيكون الكلام فصيحاً وهيئة النطق به غير فصيحة ، أو يكون الكلام والنطق به فصيحين ، ثم لاتجتمع لموضوعه صفة الفصاحة السارية في الأسماع والقلوب .
أما سيدنا محمد فقد كان أعرب العرب كما قال عليه السلام : (( أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر ))
فله من اللسان العربي أفصحة بهذه النشأة القرشية البدوية الخالصة .. وهذه هي فصاحة الكلام ..
فقد كان جمال فصاحته في نطقه كجمال فصاحته في كلامه ، وخير من وصفه بذلك – السيدة عائشة رضي الله عنها – حيث قالت : (( ماكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يسرد كسردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل ، يحفظة من جلس إليه )) ..
الوسامة والثقة ..
كانت له مع الفصاحة صباحة ودماثة تحببانه إلى كل من رآه وتجمعان إليه القلوب من عاشروه ، وهي صفة لم يختلف فيها صديق ولا عدو ، ولم ينقل عن أحد أقطاب الدنيا أنه بلغ بهذه الصفة مثل مابلغه محمد بين الضعفاء والأقوياء على السواء ..
وحسبك من حب الضعفاء إياه ، أن الفتى مستعبداً يفقد أباه وأسرته ، كزيد بن حارثة ، ثم يظهر له أبوه بعد طول الغيبة ، فيؤثر البقاء مع محمد على الذهاب مع أبيه ..
فقد كان محمداً جامعاً للمحبة والثقة كأفضل ماتجتمعان ، وكان مشهوراً بصدقة وأمانته كاشتهاره بوسامته وحنانه
الإيمان والغيرة :
ومن المحقق أن هذه الموافقات وكثرتها ، وهذه الشمائل على ندرتها ، لاتزال تتوقف على صفة أخرى يحاجها الداعي أشد من احتياجه إلى الفصاحة والصباحة .. وهي إيمانه وغيرته على نجاحها ، فقد نجح داعون كثيرون تعوزهم طلاقة اللسان وطلاقة القسمات ، ولم ينجح قط داع كبير يعوزه الإيمان بصواب مايدعوا إليه ، والغيرة عليه ..
وقد قضى محمد صلى الله عليه وسلم شبابه وهو يؤمن بفساد الزمان وضلال الأوثان .. وجاوره أناس أقل منه نبلاً في النفس ولطفاً بالحس ونفوراً من الرجس ، آمنوا بمثل ماآمن به من فساد عصره وضلال أهله ، ومن حاجتهم إلى عبادة غير عبادة الأصنام ، وآداب غير آدابهم في تلك الأيام ، فإذا جاوزهم في صدق وعيه ، وسداد سعيه ، فقد وافق المعهود فيه ، والموروث من جده وأبيه .
ولما آمن برسالته هو ودعوة ربه إلى القيام بأداء تلك الرسالة لم يهجم على هذا الإيمان هجوم ساعة ولاهجوم يوم ، ولم يتعجل الأمر تعجل من يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره ، ولكنه تردد حتى استوثق ، وجزع حتى اطمأن . وخطر له فترة الوحي أن الله قلاه وأعرض عنه ، ولم يأذن له في دعوة الناس إلى دينه ، ثم تلقى الطمأنينة من وحي ربه ومن وحي قلبه ومن وحي صحبه ..
فما من عجب إذن أن يكون محمد صاحب دعوة .
وما من عجب أن تتجه دعوته حيث اتجهت ، وأن تبلغ وجهتها الغاية التي بلغت ، وإنما العجب ممن يغفلون عن هذه الحقيقة أو يتغافلون عنها الهوى في الأفئدة ، فيشبهون اليوم ألئك الجاهلين الذين أصروا أمس على الكفر به وحجبوا بأيديهم نوره عامدين .
البيزنطية قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علماً عليها ، وتضاءلت سطوتها في البر والبحر حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها .
وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس .. وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث الفتن ، ونوازع الشهوات .
والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعاره من الحضارة تارة ومن الهمجية تارة ، وبين التوحيد الذي هو ضرب من عبادة الأوثان ، ثم هي بعد هذا التشويه في الدين ، ليست بذات رسالة في الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ .. فليس لها عمل باق في سجل الأعمال الباقيات .
وبين هذه الدول المتداعيات ، أمة ليست بذات دولة ولكنها تتأهب لإقامة دولة .. هي أمة العرب وقد تيقظت لوجودها وشعرت بمكانتها ، كما شعرت بالخطر عليها وبمواضع النقص فيها .
وفي تلك الأثناء بين كل تلك الفوضى والتداعيات كان العالم يتطلع إلى دين ،، وأمة تتطلع إلى نبي ، وقبيلة وبيت وأبوان أصلح مايكونون لإنجاب ذلك النبي .
ثم هاهو ذا الرجل لايشركة رجل آخر في صفاته ومقدماته ويدانيه .. رجل آخر في مناقبة الفضلى التي هيأته لتلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة .. وفي الجزيرة وفي العالم بأسره ..
نبيل عريق النسب .. وليس بالوضيع الخامل ، فيصغر قدره في أمة الأنساب والأحساب ..
فقير .. وليس بالغني المترف فيطغيه بأس النبلاء والأغنياء ، ويغلق قلبه مايغلق القلوب من جشع القوة واليسار .
ذلك محمد بن عبدالله عليه السلام .
قد ظهر والمدينة مهيأة لظهوره لأنها محتاجة إليه ، والجزيرة مهيأة لظهورة لأنها محتاجة إليه ، والدنيا بأسرها مهيأة لظهوره لأنها محتاجة إليه .
-------------
عبقرية الداعي
اتفقت أحوال العالم على انتظار رسالة .. واتفقت أحوال محمد على ترشيحه لتلك الرسالة ..
فقد كان من الممكن أن ينتظر العالم الرسول ، ثم لايظهر الرسول .
وكان من الممكن أن يظهر الرسول في البيت الصالح وفي البيئة الصالحة ، ثم لاتتهيأ له الصفات التي يتم بها أداء الرسالة .
ولكن اتفق في رسالة محمد قد أعجب أعاجيب الاتفاق ، وكان المعجزة التي تفوق المعجزات ..
فكان محمد مستكملاً للصفات التي لاغنى عنها في إنجاح كل رسالة عظيمة من رسالات التاريخ .
كانت له فصاحة اللسان واللغة .
وكانت له القدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة ..
وكانت له قوة الإيمان بدعوته وغيرته البالغة على نجاحها ..
وهذه الصفات للرسول غير أحوال الرسول .. ولكنها هي التي عليها المدار في تبليغ الرسالة ، ولو اتفقت فيما عداها جميع الأحوال ..
الفصاحة
فالفصاحة صفة تجتمع للكلام ، ولهيئة النطق بالكلام ، ولموضوع الكلام .. فيكون الكلام فصيحاً وهيئة النطق به غير فصيحة ، أو يكون الكلام والنطق به فصيحين ، ثم لاتجتمع لموضوعه صفة الفصاحة السارية في الأسماع والقلوب .
أما سيدنا محمد فقد كان أعرب العرب كما قال عليه السلام : (( أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر ))
فله من اللسان العربي أفصحة بهذه النشأة القرشية البدوية الخالصة .. وهذه هي فصاحة الكلام ..
فقد كان جمال فصاحته في نطقه كجمال فصاحته في كلامه ، وخير من وصفه بذلك – السيدة عائشة رضي الله عنها – حيث قالت : (( ماكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يسرد كسردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل ، يحفظة من جلس إليه )) ..
الوسامة والثقة ..
كانت له مع الفصاحة صباحة ودماثة تحببانه إلى كل من رآه وتجمعان إليه القلوب من عاشروه ، وهي صفة لم يختلف فيها صديق ولا عدو ، ولم ينقل عن أحد أقطاب الدنيا أنه بلغ بهذه الصفة مثل مابلغه محمد بين الضعفاء والأقوياء على السواء ..
وحسبك من حب الضعفاء إياه ، أن الفتى مستعبداً يفقد أباه وأسرته ، كزيد بن حارثة ، ثم يظهر له أبوه بعد طول الغيبة ، فيؤثر البقاء مع محمد على الذهاب مع أبيه ..
فقد كان محمداً جامعاً للمحبة والثقة كأفضل ماتجتمعان ، وكان مشهوراً بصدقة وأمانته كاشتهاره بوسامته وحنانه
الإيمان والغيرة :
ومن المحقق أن هذه الموافقات وكثرتها ، وهذه الشمائل على ندرتها ، لاتزال تتوقف على صفة أخرى يحاجها الداعي أشد من احتياجه إلى الفصاحة والصباحة .. وهي إيمانه وغيرته على نجاحها ، فقد نجح داعون كثيرون تعوزهم طلاقة اللسان وطلاقة القسمات ، ولم ينجح قط داع كبير يعوزه الإيمان بصواب مايدعوا إليه ، والغيرة عليه ..
وقد قضى محمد صلى الله عليه وسلم شبابه وهو يؤمن بفساد الزمان وضلال الأوثان .. وجاوره أناس أقل منه نبلاً في النفس ولطفاً بالحس ونفوراً من الرجس ، آمنوا بمثل ماآمن به من فساد عصره وضلال أهله ، ومن حاجتهم إلى عبادة غير عبادة الأصنام ، وآداب غير آدابهم في تلك الأيام ، فإذا جاوزهم في صدق وعيه ، وسداد سعيه ، فقد وافق المعهود فيه ، والموروث من جده وأبيه .
ولما آمن برسالته هو ودعوة ربه إلى القيام بأداء تلك الرسالة لم يهجم على هذا الإيمان هجوم ساعة ولاهجوم يوم ، ولم يتعجل الأمر تعجل من يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره ، ولكنه تردد حتى استوثق ، وجزع حتى اطمأن . وخطر له فترة الوحي أن الله قلاه وأعرض عنه ، ولم يأذن له في دعوة الناس إلى دينه ، ثم تلقى الطمأنينة من وحي ربه ومن وحي قلبه ومن وحي صحبه ..
فما من عجب إذن أن يكون محمد صاحب دعوة .
وما من عجب أن تتجه دعوته حيث اتجهت ، وأن تبلغ وجهتها الغاية التي بلغت ، وإنما العجب ممن يغفلون عن هذه الحقيقة أو يتغافلون عنها الهوى في الأفئدة ، فيشبهون اليوم ألئك الجاهلين الذين أصروا أمس على الكفر به وحجبوا بأيديهم نوره عامدين .